• ما أهمية وأبعاد الصحة العامة والصحة النفسية خاصة للأشخاص ذوي الإعاقة ؟؟
    فريد بحر   -   2016-03-19
    عدد القراءات : 6894


     بداية كلنا يعلم أن الصحة والعافية تاج على رؤوس الأصحَّاء جميعاً لا يراها ولا يعرف قدرها إلاّ المرضى، و إن الصحة من أعظم النعم التي وهبها الله تعالى للإنسان ، ولكننا مع الأسف نجهل ذلك ونحن منعَمون بها ولا نشعر بهذه القيمة الجليلة إلا عندما نصاب بخلل يعيق استمرارنا بأداء أعمالنا اليومية بشكل اعتيادي، وحتى لا نضجر من رحمة الله  علينا أن نزداد قربه من الله فنطيل السجود والركوع وأن تخشع جوارحنا ويلهج لساننا بقراءة القرآن والدعاء، فتهدأ نفوسنا وتطمئن قلوبنا بذكر الله ونشعر بأننا بين يدي الرحمن، وهذا هو المدخل الرئيسي للراحة النفسية عند الفرد ومما لاشك فيه أن التعزيز والدعم الاجتماعي المادي والمعنوي المستمر المقدم لذوي الإعاقة يلعب دوراً كبيراً في تحسين مستوى الصحة النفسية لديهم ،

     

    ماهي مسببات الإعاقة وما الآثار النفسية المترتبة عليها فيما بعد؟

    تعد الإعاقة أو العاهة من الأمور التي قد تصيب الشخص في عمر مبكر وذلك نتيجةً لعديد من الظروف والعوامل التي قد تكون وراثية أو بيئة مكتسبة أو لظروف مجتمعية. لأن هذا الأمر قد يشكل لبعض الأسر مصدراً للقلق والخوف وبالتالي قد يفقدها الكثير من الأساسيات الواجب إتباعها وتطبيقها لرعاية وتنشئة هذا الشخص ذو الإعاقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى الوقوع في مصيدة عدم التقبل (الضمني أو المعلن ) من قبل الأسرة لهذا الشخص ذو الإعاقة ، مما قد يدفع الأسرة إلى إيقاع الأذى بمختلف أشكاله على هذا الشخص ذو الإعاقة بقصد أ من غير قصد.  وتُحدث الإصابة بالإعاقة تغيرات في نظام الحياة الفردية للشخص ذو الإعاقة ، وتؤثر على عاداته الحياتية ودوره الشخصي والاجتماعي وقد تخلق بعض المشكلات النفسية لديه، في حين تؤثر الإعاقة على عملية التواصل بين الفرد والمجتمع المحيط به، تؤثر الإعاقة على التفاعل الاجتماعي للفرد، وتتأثر أيضاً بمساحة الاهتمامات الشخصية  Personal Space Preference (PSP)  وهي المسافة الاعتيادية التي يضعها الناس بينهم وبين الأشخاص الآخرين في محيطهم خلال عملية التفاعل الاجتماعي، على سبيل المثال يلعب البصر دوراً هاماً في المحافظة على مساحة الاهتمامات الشخصية, فقد يواجه ذوي الإعاقة البصرية صعوبة في تعلم واستخدام هذه المساحة. وإضافة إلى ذلك فقد يتأخر الأشخاص ذوي الإعاقة الذين أصيبوا بالإعاقة في مراحل عمرية مبكرة في تطوير المفاهيم الاجتماعية، وهذا يرتبط أيضاً بالعوامل المعرفية والاجتماعية والمجردة المرتبطة بالقيود التي تفرضها الإعاقة على الفرد.من حيث طريقة التفكير ومفهوم الذات ونظرة الآخرين سواءاُ ايجابية أو سلبية وسبل الحركة والتنقل ، وعلى قدر ما يفهم الناس ويتفاعلوا ويتعاونوا مع الأشخاص ذوي الإعاقة ، على قدر ما يؤثر ذلك على المسافة التي سيضعها المعاقون بينهم وبين الناس الآخرين المحيطين بهم وخاصة في التجمعات والمناسبات الاجتماعية.
    وتبعاً للكثير من الدراسات، يشعر ذوي الإعاقة بأنهم معزولون اجتماعياً, علماً أن هذا الشعور لا ينطبق على الكثير منهم، ومن الواضح أن المعاق يتجنب التجمعات الاجتماعية خوفاً من الأذى أو الارتطام بالناس وشفقتهم.
    وعلى الرغم من التدخل المبكر والتدريب والتأهيل المقدم لذوي الإعاقة إلا أن لديهم إحساس متدني بالرضا عما يقومون به بالمقارنة مع زملائهم الأسوياء، وإن الرضا عن العمل يقود إلى انخفاض الإنتاجية وبالتالي الاستقالة أو الإقالة من العمل، وهذا الأمر مرتبط أيضاً بعدم تفهم زملاء العمل للشخص المعاق وفشلهم في التعامل معه والصبر على احتياجاته.
    وعلى سبيل المثال لقد أشار بعض الباحثين إلى وجود ارتباط بين الاكتئاب والإعاقة على أساس أن الشخص الذي يفقد شخصاً أو شيئاً عزيزاً عليه يشعر بالحزن الشديد والاكتئاب.

    ماهى الاستراتيجيات الإيجابية للتكيف مع الإعاقة ؟

    أشارت النظريات إلى أن الأشخاص المعاقين يُطورون مع الزمن استراتيجيات مختلفة للتكيف مع إعاقتهم، كمحاولة لجعل واقعهم أفضل، حيث أشار Persson أن هناك ستة استراتيجيات إيجابية، يتبعها المعاقون وهي:
    1- التقبل: حيث يميل الشخص إلى تقبل إعاقته والتركيز على الجوانب الإيجابية في حياته وكيف يستثمرها ويعيد بناء حياته من جديد في ظل الإعاقة.
    2- الثقة بالبيئة المحيطة: والتي تتضمن تقبل الدعم الاجتماعي من الآخرين، وقد يكون العامل الديني عند الشخص باعثاً على الراحة والأمل.
    3- التجنب الإيجابي: وهي القدرة على تحويل الانتباه بعيداً عن المواقف الإشكالية والخوف من الإعاقة، إنها ليست إنكار للإعاقة بل هي طريق للابتعاد عن القلق والحزن، كالاستماع للموسيقى والمشي ومقابلة الناس والانخراط في بعض الأنشطة.
    4-  تصغير الإعاقة واعتبار أن وضعه أحسن من غيره: كأن ينظر ضعيف البصر إلى حالته بأنها أفضل كثيراً من الكفيف.
    5- الاستقلال: ويعني تحمل المسؤولية الشخصية في الحفاظ على جودة الحياة بالنظر إلى المشكلات المتعلقة بالإعاقة على أنها تحديات لا بد من مواجهتها لتحقيق السيادة.
    6- التحكم وتعويض فقدان الوظيفة: كالحصول على المعينات المساعدة والتقنية، والانتباه إلى الأعراض التي من الممكن أن تتطور وبالتالي التحكم في تأثيراتها.


    ماهي الإحتياجات النفسية لذوي الإعاقة

    ؟

    أود أن أعرّج على تعريف مصطلح الحاجة: "وهي أشياء ضرورية يشعر الفرد أنه محروم منها، فيشعر بالقلق والتوتر وعدم الاتزان، ويصاحبه شعور قوي للعمل على إشباعها", وهي احتياجات اجتماعية وتعليمية وصحية وتأهيلية ومهنية ونفسية.  

    حتى يتجنب الشخص ذو الإعاقة حالات الإحباط، والاكتئاب، والحزن، والعزلة، والانطواء، يجب العمل على تكوين شبكة من العلاقات الاجتماعية مع أسرته والبيئة الاجتماعية المحيطة به.

    ومن خلال هذه العلاقات يتم إشباع العديد من الحاجات النفسية والمتمثلة في:

     

    1- الحاجة إلى الشعور بالانتماء:

    الانتماء هو عبارة عن علاقة تبادلية بين المعاق والجماعة التي ينتمي إليها، قد تكون الأسرة، أو فريق العمل، أو المؤسسة. ولابد أن يكون قوام هذه العلاقة الندية، والأخذ والعطاء، والإحساس بالرضا، والحب، والاطمئنان، والانتماء.

     

    2- الحاجة إلى الشعور بالأمن:

       تعني شعور المعاق بالأمن على أسرته، ودخله، وصحته، ومستقبله. لذلك يجب على الدولة أن تقدم صوراً مختلفة للتأمين الاجتماعي للمعاقين ضد حوادث العمل، والبطالة والعجز.

    ومحاور الأمن تتمثل في أربعة جوانب: الأمن المادي، والاجتماعي، والنفسي، والصحي.

     

    3- الحاجة إلى احترام الذات:

    العواطف تنقسم إلى قسمين:

    أ‌-     العواطف الرئيسية: مثل الحب والكراهية.

    ب‌- العواطف السائدة: مثل العاطفة نحو المال، والعاطفة نحو العمل، والعاطفة نحو العلم.إلخ.

    والإعاقة  تسبب فقدان المعاق للعديد من قدراته، وضياع حقوقه، وضعف علاقاته الاجتماعية. لذلك يكون المعاق في هذه الحالة في مسيس الحاجة إلى احترام وتأكيد ذاته

     

    4- الحاجة إلى الاستقلال والثقة في النفس:

    يترتب على الإعاقة فقدان الشخص ذو الإعاقة الثقة في نفسه، وحرمانه من الاستقرار في عمله، وقد يصبح منعزلا ومنطويا، أو متشرداً، أو متسولاً، أو منحرفا.

    ولكي يعيد الأخصائي النفسي و الاجتماعي الثقة إلى المعاق يجب أن يعمل على إشراك المعاق في مواجهة الصعاب التي تواجهه، ويوكل إليه بعض المهام والمسؤوليات، كذلك إفساح المجال له للتعبير عن مشاعره السلبية، وتغييرها إلى مشاعر إيجابية، والتخفيف من ضغوطه النفسية.

    ما هي الاتجاهات المجتمعية نحو الإعاقة وأثرها في الصحة النفسية للمعاق؟

         تلعب الاتجاهات المجتمعية نحو المعاق دوراً هاماً على صحته النفسية، سواءً كانت هذه الاتجاهات سلبية أم إيجابية، فالفرد المعاق هو جزء من نسيج هذا المجتمع، وإن النظرة إليه على هذا الأساس سوف يؤدي إلى إدماجه وتمتعه بالصحة النفسية، أما النظر إليه سلباً بعدم تقبله وتهميشه فسوف ينعكس سلباً على تكيفه مع ذاته ومع المجتمع المحيط به، ومن أهم طرق التعامل هذه ما يلي:
    أ- السخرية والتهكم: حيث إن هناك من يتهكم ويسخر من الشخص المعاق ويطلق المسميات التي تؤثر على مشاعره، وتدفعه للعدوانية والاكتئاب والانسحاب من المجتمع المحيط به.
    ب- الفضول: كثير من الأشخاص العاديين يصدر أسئلة للشخص المعاق لمعرفة إعاقته وأسبابها وتحديق النظر فيه لفترة طويلة، والتدخل في خصوصياته، الأمر الذي يوقعه في الخجل والانسحاب.
    جـ- المساعدة والعون: لا بد أننا جميعاً  كبشر يحتاج بعضنا بعضاً، لكن هذه الحاجة التي تؤدي إلى مساعدة المعاق يجب أن لا تكون مقرونة بالشفقة والعطف، حتى لا تفرض عليه النظرة الدونية وتجرح مشاعره وأحاسيسه.
    د- رفض الأسر إلحاق ابنهم في برامج ومراكز التربية الخاصة: إن رفض بعض الأسر إلحاق ابنهم المعاق بمراكز المعاقين، إحساساً منهم بأن هذا عار وعيب على الأسرة ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية، من شأنه أن يؤخر في نموه وتقدمه واستفادته من البرامج التربوية والعلاجية المقدمة.
    هـ- رفض إشراك المعوقين في الأنشطة الاجتماعية: اعتقاداً منهم بأنه غير قادر على مواكبة هذه الأنشطة،أو خجلاً من إظهاره، مما يقتل طاقاته وميوله، ويعره بالعزلة والرفض من الآخرين.

    دور الاختصاصي النفسي في التعامل مع ذوي الإعاقة:
    من الملاحظ كما سبق أن المعاق قد يطور استراتيجيات إيجابية أو سلبية في التعامل مع إعاقته والبيئة المحيطة به، لذلك فهو يحتاج إلى الدعم النفسي أثناء عملية التأهيل، والتي تنقسم إلى مستويين:
    المستوى الأول هو العاطفي، والمستوى الثاني هو في التعامل مع الأنشطة الحياتية اليومية، حيث أصبح يعتمد أخصائيي التأهيل حديثاً على ضرورة تغيير مطالب البيئة وتعزيز قدرات الشخص المعاق، وتزويده باستراتيجيات التعامل مع البيئة المحيطة وذلك عبر خطة التأهيل الفردية Individual Rehabilitation Plan.إن الهدف من خطة التأهيل متعددة التخصصات والتي تقدم  لذوي الإعاقة, هو ما يلي:

    أ‌-     مساعدة المعاق على التكيف مع إعاقته.

    ب‌-مساعدة المعاق على القيام بمهارات الحياة اليومية باستقلال.

    وإن نجاح هذه الخطة الفردية يعتمد على كثير من العوامل النفسية عن المعاق، كمقدار الاستياء من الإعاقة ومدى رضاه عن حياته، ومدى الدعم الذي يتلقاه من الأسرة والأصدقاء، ومدى تقديره لذاته، ومستوى الضغط الذي يتعرض له، والدافعية.
    إن الاهتمام بالعوامل النفسية عند لذوي الإعاقة لهو أمر في غاية الأهمية خلال عملية التأهيل والتكيف مع الإعاقة، وإن مدى شدة الإعاقة لا يعتبر مؤشراً على مدى التكيف النفسي أو الصعوبات التي يواجهها الشخص في حياته اليومية، في حين أن العوامل النفسية تلعب دوراً كبيراً في مدى قدرة الشخص المعاق على مواجهة الإعاقة.
    لذلك فمن المهم عند العمل النفساني مع المعاقين التركيز على ما يلي:

    1-  1-جوانب القدرة التي يمتلكونها.

    2-  2-البحث عن الجوانب المتبقية والإنجازات التي قام بها الشخص المعاق في حياته.

    3-  3-بعث عزيمة المعاق على التكيف مع إعاقته دون أن يعني ذلك الاستسلام لها.

    4-  4-مساعدة المعاق على الوعي بالسلوك الذي يقوم به والتبصر بأسبابه.
    5-التعرف على أسباب المشاعر السلبية التي تداهم المعاق، لأنه كلما كان أكثر وعياً بأسباب السلوك كلما كان أكثر تحكماً في سلوكه وانفعالاته.
    ومن المهم أن يركز الأخصائي النفسي على تقنيات تعديل السلوك وعلى تغييره، والتعرف عليه، لأن هناك كثير من السلوكيات التي تنبع من التعلم الخاطئ.                                           إن المعاقين بحاجة إلى قدر كبير من الدعم الانفعالي والاجتماعي والأنشطة الترفيهية التي تخرجهم من المشاعر السلبي التي قد يواجهونها، والتواصل مع العالم الخارجي، وتنمية الميول والمهارات الخاصة التي يمتلكونها، وإعطاء المعاق الإحساس بالقدرة دون التعامل معه على أنه غير قادر ولا يستطيع، وإن إحساسه بالقدرة وإعطاءه مساحة من الحركة والحرية يبعث فيه الثقة بالنفس والميل لمواجهة الواقع الذي يعيشه واكتساب خبرات حياتية جديدة.

    ،، ودمتم بود وجزيتم خيراً ،،

     

    بقلم : فريد بحر

    إختصاصي نفسي وفني تأهيل معاقين

     

     

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *