• الإعلام الاجتماعي وقضايا الإعاقة
    د.إدريس لكريني   -   2016-06-24
    عدد القراءات : 5788


    انتقال مشكلة، أو قضية اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، إلى دائرة القضايا العمومية التي تحظى باهتمام صانعي القرار ضمن السياسات العمومية، يطرح مسؤولية عدد من الفاعلين والقنوات، من قبيل الأحزاب السياسية وفعاليات المجتمع المدني وجماعات الضغط، إضافة إلى الإعلام من خلال أسلوب التعبئة وحشد الرأي العام.
    ويظل دور الإعلام مطلوباً في هذا الشأن، على اعتبار الرسالة النبيلة المفترضة التي يتحمّلها هذا الأخير، على مستوى التنوير والتنشئة والتعبئة، ومواكبة السياسات العمومية وتقييمها، غير أن بلورة هذه الرسالة ميدانيّاً وبشكل بنّاء، تظل رهينة بتوافر مجموعة الشروط، في علاقة ذلك بتوخّي قدر من الموضوعية في تناول القضايا والمواضيع التي تتطلب تدخلات وتدابير ميدانية، أو تشريعات قانونية مواكبة، وتجاوز التهافت على تحقيق الربح المادي والإثارة، مع وجود استعداد وإرادة من قبل صانعي القرارات للتفاعل الإيجابي مع ما يطرح في هذا الصدد.
    كان لظهور شبكات التواصل الاجتماعي المتمثلة في ال«فيس بوك»، و«تويتر»، وال«يوتوب»، أثر كبير في تعزيز التفاعل ودعم التواصل بين مختلف الأشخاص، وإبداء الآراء إزاء قضايا مجتمعية مختلفة، بالشكل الذي حولها إلى آلية ضغط وتأثير، وفرت هذه الشبكات فضاء للنقاش والحوار بين فئات مجتمعية تتقاسم أفكاراً وقضايا واهتمامات وانتماءات ومعاناة مشتركة، وبخاصة أنها تتيح النشر الفوري، والدردشة والتفاعل المباشرين.
    فتح الإعلام الاجتماعي نافذة جديدة، وآفاقاً واسعة أمام فئات مختلفة داخل المجتمع، بخاصة في الأقطار التي تسيطر فيها الدولة على وسائل الإعلام، الأمر الذي جعله يتحوّل في زمن قياسي من مجرد هواية، إلى قوة مؤثرة داخل المجتمعات في السنوات الأخيرة، بعدما مكّن هذا النوع الجديد من الإعلام من توجيه النقد لعدد من المؤسسات والشخصيات والسياسات العمومية، ومن طرح معلومات وأفكار وآراء ومواضيع تتعلق بقضايا اجتماعية وسياسية مختلفة .
    وتشير الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة المصادق عليها في 13 ديسمبر/‏‏كانون الأول 2006 من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة في مادتها التاسعة، إلى أنه لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من العيش في استقلالية والمشاركة في جميع جوانب الحياة، تتّخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة التي تكفل إمكانية وصولهم، على قدم المساواة مع غيرهم، إلى البيئة المادية المحيطة ووسائل النقل والمعلومات الاتصالات، بما في ذلك تكنولوجيات ونظم المعلومات والاتصال.

    وتظل مهام الإعلام كبيرة وحيوية على طريق التعريف بإمكانات المعاقين والتحسيس بحاجياتهم، ومشكلاتهم أمام الرأي العام وصانعي القرار، ومواكبة نشاطات الدولة والمجتمع المدني وتحركاتهما في هذا الشأن، والسعي إلى تغيير النظرة الدّونية إليهم داخل المجتمع، وتتبع أحوالهم ومشكلاتهم وحاجياتهم، بخاصة في المناطق النائية والقروية، ومواكبة تطبيق مختلف بنود الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العديد من الدول.
    إن إدماج الشخص المعاق هو عملية جماعية تسائل الكثير من الفاعلين والمتدخلين من دولة وجمعيات المجتمع المدني وإعلام ومؤسسات تعليمية وجامعات وقطاع خاص.
    فإذا كانت مهمّة وسائل الإعلام باعتبارها وسيلة للاتصال الجماهيري، تنطوي على أهمية كبرى من حيث تنوير الرأي العام بقضايا المعاقين، ومواكبة مشكلاتهم والسعي إلى الحدّ منها، وقائياً وعلاجياً، إضافة لدورها المفترض في تغيير النظرة الدّونية إلى هذه الفئة داخل المجتمع، والتعريف بإمكانات وكفاءة الشخص المعاق، فإنه بالإمكان استثمار شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف أشكالها على نطاق واسع في خدمة الشخص المعاق وقضاياه، طالما أن هذه الشبكات تزخر بإمكانات هائلة على مستوى التأثير في الرأي العام.
    إن تأهيل المعاقين لا يعني الدولة بمفردها، بقدر ما يعني مختلف الفعاليات داخل المجتمع، من جمعيات وقطاع خاص ومؤسسات إعلامية، بخاصة وأن هذه الفئة أصبحت تشكل جزءاً كبير من المجتمع من حيث عددها وإمكاناتها وكفاءاتها المختلفة، كما أن الإعاقة تعني كل أفراد المجتمع على اعتبار أن لا أحد في مأمن منها.
    إن جهود الإعلام الاجتماعي ينبغي أن تتخذ مسارين، الأول أفقي، ينحو إلى تغيير العقليات التي ترى في المعاق مجرّد عالة على المجتمع، والسعي إلى الاعتراف بخصوصيته، سواء كان طفلاً أو راشداً، وترسيخ وعي مجتمعي يحترم ويقدّر هذه الفئة ويدعم تمكينها داخل المجتمع مع الاستفادة من خبراتها وإمكاناتها.
    والثاني عمودي، يقوم على التحسيس بقضايا هذه الفئات وبمعاناتها وحاجياتها، وبلورتها في شكل توصيات ومطالب أمام صانعي القرار، والتعريف بأهمية الاتفاقيات والمواثيق الدولية الخاصة بالأشخاص المعاقين، والدفع باتجاه احترام مقتضياتها واستحضارها ضمن أجندة السياسات العامة والتشريعات الوطنية.
    المصدر : الخليج

     

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *