• معلمي المعاق
    هيفاء بيطار   -   2016-08-28
    عدد القراءات : 8021


    حين نكون مع أصحاب أكبر إعاقة وهي الشلل الدماغي حيث يكون المصابون بها كمن يعيش في غيبوبة دائمة غير واع بنفسه ومحيطه، ندرك عندها نعمة العقل والإدراك.
     
    يشغلني جدا موضوع الإعاقة وخاصة عند الأطفال، وتساءلت كالملايين غيري ما الغاية من وجود أشخاص معاقين خاصة تلك الإعاقات التي تأتي منذ الولادة ويكون من الصعب أو المستحيل شفاؤها؟ ومع الزمن ومن خلال تعاملي مع العديد من الجمعيات التي تعنى بالمعاقين، وخاصة الجمعية التي تعنى بالمصابين بالشلل الدماغي، وجدتني أكتشف حقيقة بالغة الأهمية، كما لو أن نفقا مظلما في روحي غمره نور المحبة والتواضع.
     
    وآمنت أن المعاق يعلّمنا التواضع، وينبّهنا لأكبر نعمة في الحياة وهي الصحة، الصحة النفسية والعقلية معا، حين نكون في حضرة معاق أعمى نقدّر نعمة النظر والتمتع بجمال الطبيعة وبأجمل لغة في العالم، لغة العيون.
     
    وحين نكون في حضرة معاق أصمّ ندرك نعمة السمع والتمتع بدفء الحوار وسحر الموسيقى، أما حين نكون مع أصحاب أكبر إعاقة وهي الشلل الدماغي حيث يكون المصابون بها كمن يعيش في غيبوبة دائمة غير واع بنفسه ومحيطه، ندرك عندها نعمة العقل والإدراك.
      
    المعاقون يعلّموننا التواضع وتقدير نعمة الحواس والإدراك، وهم أشبه بحكم القيمة الحقيقي على أفعالنا وإنسانيتنا، فلا تتحقق إنسانيتنا ولا تترسخ في تربة المحبة والعطاء إلا بالاهتمام والتعامل مع المعاقين، كما لو أنهم يهدوننا إعاقتهم لننمو أكثر فأكثر في الإنسانية والمحبة والتواضع، وحين كنت أزور مركز الشلل الدماغي والإعاقة العصبية والعقلية في اللاذقية وأمضي هناك ساعات مع بشر مثلنا، لكنهم سوف يعبرون الحياة دون إدراك ماهيتها ودون التمتع بجمالها وسحرها وأجمل ما فيها، العلاقات الإنسانية والصداقات، كنت أنتبه كيف تتعمق إنسانيتي وأصبح أكثر رقة وشفافية باحتكاكي بهؤلاء المعاقين، كنت أشعر أنني مدينة لهم لكون عطبهم ينبهني لكمال وصحة حواسي فيزداد تقديري لنعمة الحياة ولما أملك. ولطالما كان المعاقون سببا لإلهامي في الكتابة إذ كتبت عنهم كثيرا وخاصة قصة “يكفي أن يُحبك قلب واحد لتعيش” التي هي عنوان مجموعة قصصية لي، والتي صارت في ما بعد شعارا لـ"جمعية الإعاقة في دمشق وسوريا".
     
    وكما نجد في شجرة مثمرة ثمارا صحيحة، بجانبها ثمار مريضة أو متعفنة، يجب أن نقبل بوجود المعاقين في حياتنا، ليس مجرد قبول محايد أو سلبي، بل قبول محفز لنا لننمو في الإنسانية والتواضع وحب الخير، وتقدير نعمة الصحة العقلية والجسدية، وأن نعتبر هؤلاء المعاقين إخوتنا في الإنسانية، وبأنهم أهدونا إعاقتهم كي لا نسقط ضحية الغرور والنرجسية وتأليه الذات والتكبر.
     
    وكم يقدم لنا التاريخ نماذج إنسانية رائعة مثل الأم تيريزا التي وهبت حياتها للاهتمام بالفقراء والمرضى والأب باولو والأب فرانسيس وغيرهم، هؤلاء أصبحوا منارات حق وإنسانية، ليس لأنهم وهبوا كل حياتهم ووقتهم لمساعدة الآخرين، بل لأن فعل الخير نفسه -وخاصة مساعدة المريض والضعيف والأعزل في مصيبته- ينعكس على فاعله قوة وألقا روحيا ووجدانيا وشحذا للضمير إلى أعلى درجات ممكنة.
     
    وأخيرا لا توجد سعادة أعظم من سعادة العطاء. وكما يقول الكاتب المبدع غابرييل ماركيز “لا يوجد دواء قادر على شفاء ما تعجز المحبة عن شفائه”. المحبة الحقة شفاء ووقاية لأرواحنا من السقوط في نرجسية عشق الذات، والتمركز حولها.
     
     
    صحيفة العرب - السوسنة

     

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *