• أنتِ حامل بطفل داون... صراع طاحن بين الأمومة والمجتمع
    اماني الاكرمي- معاق نيوز   -   2018-04-18
    عدد القراءات : 389


    "أنتِ حامل بطفل داون"،هذه العبارة كافية لقتل حلم أي أم تنتظر مولودها بفارغ الصبر،جنينها الذي اعتادت أن تستيقظ باكرا وتهتم بغذائها لأجله،اعتادت على أن تحادثه وتتلمس بطنها بحنان وتحتضنه،وتغني أغاني الطفولة التي تبعث على الأمل،تلاشت كل تلك الأحلام وسقطت في الهاوية بالتزامن مع هذه العبارة،أصبحت بعدها تعاني الكوابيس والألم،ماذا تفعل؟،وكيف السبيل للخلاص من ذلك؟!!،هل تسعى إلى الإجهاض وتقتل جنينها،وكيف لأم أن تتحمل فقدانها لطفلها،أم هل تستمر في حملها وستعاني بقية حياتها برؤية طفلها الداون منبوذ بين الناس والمجتمع،وهو بحاجة لها مادام حيّاً،كلا الأمرين مر كالعلقم،فهناك صراع طاحن بين الأمومة والمجتمع.

    حالات:

     

    رهف(30 عاما)تزوجت بعد قصة حب جارفة،وانتظرت أن يتم الحمل بفارغ الصبر،لكن الأمر تأخر دون أن يكون هناك سبب واضح،وقد تم الحمل الأول لها بعد سنتين من الزواج،وغمرت الفرحة أسرتيهما الذين كانوا ينتظرون هذا الخبر بفارغ الصبر،ومع دخول رهف في شهرها الرابع طلبت الطبيبة منها القيام ببعض التحاليل والصور،ففعلت،وأخبرتها بعد النتائج أنها حامل بطفل داون، تقول رهف:(لم استطع تحمل وقع الخبر،لقد أنهرت تماماً،حلمي يقتل أمام عيني،انعزلت عن الناس،حتى زوجي،لم يعد شي يغريني في الحياة،بل وحاولت الانتحار،اذا قدر الله على طفلي الموت فلنمت معاً،لم أجد مفرّاً من الاجهاض،حياة ابني الداون بين يدي،كان أصعب قرار اتخذه في حياتي،لماذا يحيا وهو منبوذ في مجتمعه،لن يسامحني على فعلتي في وهبه الحياة)،في حين خالفتها هدى في رأيها حيث قالت:(اذا كان الله قد منحه حق الحياة فمن أنا لأمنعه من ممارسة هذا الحق،ليست فرحتي كفرحة أي أم تنتظر مولودها،فأنا اليوم في الشهر الثامن لحملي وانتظر مولودا داون،لا تستطيع الكلمات ان تعبر عن حزني ولكني موقنة بأنه هدية من الله وعليّ المحافظة عليها،ولعله سبب في دخولي الجنة،سأحتفظ به وأعلمه واصنع منه رجلاً مميزاً)،وقد وافقها زوجها وسام (35 سنة) الرأي قائلاً:(لا استطيع أن أخفي حزني وألمي،ولا أنكر ضغوط والدتي عليّ من أجل القيام بإجهاض زوجتي،فهي تريد حفيد معافى تداعبه وتفتخر به أمام الناس،طفلي سيكون الطفل الداون الوحيد في العائلة،هم لا يريدونه ومع ذلك فأنا وزوجتي هدى مصرين على انجابه،هو ابتلاء ونعمة من الله تعالى في آن واحد،فليكن الله بعوننا على تربيته تربية حسنة)،في حين خالفه راغب (40 عاماً) الرأي قائلاً:(سبق وأن مررت بهذه التجربة،ولقد أجبرت زوجتي على الإجهاض،وبالرغم من رجاءها للاحتفاظ بالجنين ومحاولاتها الكثيرة إلاّ أني خيرتها بين أمرين،فإما أن يستمر زواجنا وتجهض الجنين،أو تحتفظ به ويتم الطلاق،مما اضطرها للخضوع لمطلبي في نهاية الأمر،فلماذا أحيا بقية حياتي مطأطئ الرأس خجلاً أمام المجتمع،ستكون نظرة الناس قاسية،ممتلئة بالشفقة،سيتمتمون ويقولون هذا والد الطفل الداون،لا فأنا لست مجبراً على تحمل كل تلك المأساة).   

     

     

     

    الرأي الطبي:

    متلازمة داون هو خلل أو شذوذ خُلقي يصيب الكروموزومات رقم 21 الموجودة داخل خلايا جسم الانسان ما يؤدي الى إعاقة فكرية عند الطفل ويُحدث بعض المشاكل الصحية في القلب والجهاز الهضمي،إضافةً الى إضرابات في السلوك الاجتماعي وتعتبر جميع النساء الحوامل عرضة للحمل بطفل مصاب بمتلازمة داون ،إذ إن هذا المرض ليس وراثياً ولا ينتقل من جيل الى آخر،ولكنه يرتبط بعمر الأم الى حدّ كبير فإن خطر إنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون يرتفع كلّما كانت المرأة أكبر سناً،وعادة يتم الكشف عنه في الأسبوع الحادي عشر والثالث عشر من الحمل عن طريق التصوير في الموجات ما فوق الصوتية: بالإضافة إلى الخضوع لبعض التحاليل كتحاليل الدم أو أخذ عينات من السائل الأمنيوسي المحيط بالجنين،وذلك من أجل تأكيد أو نفي النتائج التي أظهرها السونار إذ ان علامات متلازمة داون قد لا تكون واضحة في بعض الحالات.                                                           
    أما عن مضاعفات الإجهاض من الأسبوع الثاني عشر إلى الأسبوع الرابع والعشرين
    فهو الأكثر خطورة على الحامل حيث يؤدي في بعض الحالات للوفاة،وعلى الحامل دخول المستشفى،ويكون التخدير العام أساسياً،ويتم إما بالتوسيع والتفريغ: بحقن محلول ملحي في الكيس المحيط بالجنين،(حقن مادة معينة بروستاجلاندين- في نفس هذا الكيس)حيث يعمل الحقن بالبروستاجلاندين في الكيس المحيط بالجنين على  انقباض الرحم وتفريغ محتوياته أو من خلال فتح البطن وحقن المحلول الملحي المركز يتم من خلال جدار البطن،وتؤدي لحدوث انقباضات في الرحم، وينتهي بطرد الجنين والمشيمة منه،وبعدها تبقى الزوجة في المستشفى مدة تصل إلى 4 أيام،وتستعيد لياقتها بالمنزل في مدة تتفاوت بين أربعة إلى ستة أسابيع.

     

     

     

    الرأي الديني:

    في الديانة المسيحية حرمت الكنيسة الإجهاض،وإن وافق الزوج على إجراء عملية الإجهاض فهو يعتبر مشترك في الجريمة،وأية امرأة يطلب منها زوجها أن تجهض جنينها،يجب ألا تطيعه في ذلك إطلاقًا إلا لو كانت الولادة تتسبب في وفاتها،هذه الحالة الوحيدة التي تسمح فيها الكنيسة بالإجهاض،هي أن تكون حالة الأم الصحية لا تسمح لها بالولادة والولادة ستتسبب في موتها،فإنقاذًا لها نفضل نزول كائن لم يتكون بعد،عن أن تموت إنسانة لها كيان قائم (نفضل حياة الأم لأنها كائن موجود، بينما الجنين لم يخرج إلى الوجود بعد).

    وأما حكم الإجهاض في الديانة الإسلامية فهو على أمرين: قبل الشهر الرابع من الحمل (أي قبل أن تنفخ الروح في الجنين) فاختلف فيه العلماء،فقال بعضهم حرام وقال بعضهم ليس حراما بشرط عدم الضرر وعدم كشف العورة.

    والأمر الأخر هو الإجهاض بعد الشهر الرابع فاعتبر حرام بالإجماع،فقد نصوا على أنه إذا نفخت في الجنين الروح حرم الإجهاض إجماعًا،وقالوا إنه قتل له بلا خلاف،والذي يؤخذ من إطلاق الفقهاء تحريم الإجهاض بعد نفخ الروح أنه يشمل ما لو كان سيطلع الولد مشوها أو لا،أو ما لو كان في بقائه خطر على حياة الأم وما لو لم يكن كذلك،وصرح الفقيه ابن عابدين بذلك فقال:( لو كان الجنين حيًا، ويخشى على حياة الأم من بقائه، فإنه لا يجوز تقطيعه)،وإن كانت هي التي قتلت جنينهاعليها معصية من الكبائر وكفارة القتل والدية،وإن كان الطبيب الذي قتل الجنين بإذنهاعليها معصية من الكبائر،وعلى الطبيب المعصية الكبيرة والدية والكفارة،والكفارة هي كما قال تعالى :" وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ  فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ "(سورة النساء الآية 92)، والدية كما في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ، رَمَتْ إحْدَاهُمَا الأُخْرَىَ، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَىَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُرَّةٍ، عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.

     

    الرأي القانوني:

    تعتبر عملية الإجهاض جريمة يعاقب عليها القانون في جميع الدول العربية،وتختلف التشريعات بين دولة وأخرى،ففي موقف القانون السوري من الإجهاض،يقف قانون العقوبات السوري وقانون تنظيم مهنة الطب في سورية موقفاً حاسماً من موضوع الإجهاض حتى أنه لايفرق بين الشروع بالإجهاض وبين إنجازه ولايفرق بين الإجهاض في بدء الحمل أو نهايته بل أكثر من ذلك فقد عاقب على اقتناء أو ترويج أو تسهيل استعمال وسائل الإجهاض أو بيع أو حتى عرض مواد معدة لإحداث الإجهاض للبيع،لذلك فإن قانون تنظيم مهنة الطب في سورية ينص بالمادة 47 منه /ف،ب/ بأنه يحظر على الطبيب الإجهاض بأية وسيلة كانت إلا إذا كان استمرار الحمل يشكل خطراً على حياة الحامل ويشترط حينئذـ أن يتم الإجهاض من قبل الطبيب المتخصص وبموافقة طبيب آخر وأن يحرر محضر بتقرير الحاجة المبرمة للإجهاض قبل إجراء العملية،وأن تنظم منه أربع نسخ أو أكثر يوقعها الأطباء والمريضة أو زوجها أو وليها وإذا ارتكب الطبيب جرم الإجهاض ولم يثبت موافقة طبيب آخر مختص ولم يحرر محضر من قبل بتقرير الحاجة المبرمة للإجهاض قبل إجراء العملية يسحب ترخيصه ويمنع من مزاولة المهنة بأي صفة كانت لمدة لاتقل عن سنة واحدة بقرار من وزير الصحة وينفذ فوراً بواسطة النيابة العامة وفي حال التكرار يجوز سحب شهادته الطبية وإسقاط جميع الحقوق الممنوحة له بموجبها،وأخيراً فإن المشرع السوري اعتبر جريمة الإجهاض من الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة وإن جريمة الإجهاض جريمة مقصودة تتطلب قصد الفاعل تحقيق نتيجة معنية بذاتها وهي إسقاط الجنين قبل الميعاد حتى يعاقب عليها القانون وقد عاقب قانون العقوبات السوري المرأة التي تجهض نفسها بغض النظر عن الوسائل التي تم استعمالها وتشدد في عقوبته إذا أفضى الإجهاض أو الوسائل التي استعملت في سبيله إلى موت المرأة حتى تصل عقوبة الفاعل إلى الأشغال الشاقة من4_7 سنوات وفق أحكام الفقرة /2/ من المادة /528/ من قانون العقوبات السوري. ‏

    في النهاية كلا الاختيارين مر على الأم التي اختارت اسم لطفلها أو طفلتها،وحلمت كيف ستقضي أيامها معه،فإما أن تنصاع لأمومتها وفي هذه الحالة يجب أن تكون قوية ومتماسكة وقادرة على مواجهة المجتمع في الأيام القادمة،وإما ان تجهض جنينها،لكن غضب الله سيلاحقها ما حييت وستحاسب على فعلتها.      

     
  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *