• مبتور اليدين : المحامي المبيض ..بعضديه يرافع عن موكليه
    الرسالة نت - معاق نيوز   -   2010-11-06
    عدد القراءات : 1987


    يجلس خلف مكتبه بلا ذراعين , يقلب الأوراق التي أمامه بطريقة تدهش المراجعين, فيوقع على إحداها بإحدى عضديه - ما تبقى من ذراعيه – ثم يمسك بالأخرى لمراجعتها وتدقيقها بمهارة عالية ودقة متناهية دون أن يساعده أحد.

    وفجأة دون سابق إنذار رن جرس هاتف المدير الفني بالمحكمة العليا "صاحب الإعاقة" شعبان المبيض 45 عاما حتى خرج مسرعا من مكتبه متجولا بثقة عالية وسط ضجيج وصرخات المراجعين التي تدوي داخل أروقة المحكمة حاملا بين يديه المبتورتين إحدى الملفات دون أن توقفه نظرات الدهشة التي يرحب بها مبتسما, ومن ثم يواصل طريقه إلى حيث شاء لأن ما يجول بخاطره هو كيف ينجز عمله على أكمل وجه.

    شقاوة الطفولة

    بترت يدا المبيض وهو بعمر الثانية عشر حينما دفعته شقاوة الطفولة إلى اقتحام مجمع الكهرباء المقابل لبيته ليتفحص ما بداخله حتى شب حريق داخل المجمع أدى إلى إصابته بحروق شديدة بترت على اثرها يديه.

    إصابة المبيض كانت في نهاية العام الدراسي السابع فقد واجه مشاكل مع مدرسيه الذين رفضوا أن يكمل دراسته رغم تفوقه الشديد مما دفعه إلى هجر مقاعد الدراسة لعشر سنوات ،ومن ثم توجه إلى دراسة دبلوم أحكام التجويد بمعهد الأزهر.

    احتسى المبيض قليلا من القهوة ممسكا بعضديه الفنجان ومن ثم عاود وضعه على المكتب وقال:"حصلت على شهادة التوجيهي بتفوق بعد عودتي لمقاعد الدراسة حتى توجهت للالتحاق بكلية الحقوق في جامعة الأزهر وحصلت على إجازة محاماة نظامية ومن ثم إجازة المحاماة الشرعية "، مضيفا:التحقت بمعهد "الامديست" لتعلم اللغة الانجليزية ولتفوقي حصلت على منحة ماجستير قانون بجامعة الأزهر.

    وأثناء فترة انقطاعه عن الدراسة كان يستغل وقته حيث عمل في تجارة العقارات وجنى أرباحا كثيرا منها مما مكنه من دفع نفقات تعليمه ، بالإضافة إلى أنه تمكن من شراء بيت له و فتح مكتبان للمحاماة عمل بهما قبل التحاقه للعمل داخل المحكمة.

    وبعدما اختلس المبيض النظر إلى الشارع من وراء نافذة مكتبه عاد متابعا قوله :"رغم إعاقتي إلا أنني حينما عملت بالمحاماة كان الكثير من المراجعين يطرقون أبوب مكاتبي الخاصة لثقتهم ".

    رخصة قيادة

    والدة المحامي المبيض وحدها من تحملت عبء أبنائها وكثيرا ما تمنت بأن ترى ولديها يافعين متعلمين، لاسيما البكر الذي بترت يداه.

    تلك الأم لم يكتب لها العيش طويلا لترى ما حلمت به ، فقطار الموت جاء سريعا واختطفها.

    يقول المبيض:"والدتي من أكثر الأشخاص الذي عانوا حينما بترت يدي رغم أنني كنت أخفف عنها لكنها كانت تحلم بأن تراني كباقي الأطفال "، مشيرا إلى أنه كان يرفض مساعدة أحد وهو صغير فكان يعتمد على نفسه في عمل أي شيء ويمارس حياته كباقي الأطفال.

    وبالرغم من قسوة المجتمع التي لا ترحم إلا أن المبيض تمكن من مواجهة ظروفه رغم الاستفزازات التي تعرض لها.

    العديد من الفتيات والشباب مبتوري الأطراف يعانون حينما يصلون إلى سن الزواج خاصة وأن فكرة الارتباط بهم لا يتقبلها البعض , وعن ذلك تحدث المبيض وهو يقلب بعضديه كتابا أمامه قائلا:"من المشاكل التي واجهتني حينما قررت الارتباط رفض العديد من الفتيات الاقتران بي ، و إن وافقت إحداهن يرفض ذويها "،مضيفا بعد فترة من الوقت وجدت شريكة حياتي التي تقبلت وضعي وأنجبت لي خمسة أولاد وابنتين ، حيث يدرس ثلاثة منهم الآن بالجامعات"

    وأضاف بكل ثقة والابتسامة تعلو محياه:"أمارس دوري الأبوي على أبنائي فهم يتقبلون وضعي ويفخرون بي ، وحينما يخطئون أعاقبهم ".

    ويعتمد المدير الفني بالمحكمة العليا بغزة على نفسه في طباعة أبحاثه على جهاز الكمبيوتر دون مساعدة من أحد ، بالإضافة إلى أنه يسافر لوحده ويستطيع تدبر أموره فقد حصل مؤخرا على رخصة قيادة السيارة.

    المثابرة و عدم اليأس

    وباعتبار أن المبيض من ذوي الاحتياجات الخاصة إلا أنه تفوق في دراسته وحصل على أعلى الشهادات لذلك فقد تولى رئاسةالاتحاد العام للمعاقين في قطاع غزة سابقا ورئاسة هيئة حقوق المعاقين وشارك بالعديد من المؤتمرات وذلك لمدة ثماني سنوات كعمل تطوعي.

    عدل المبيض من جلسته بعدما احتسى قهوته مجددا قائلا:" احتج على عدم تطبيق قانون المعاقين بشكل سليم وهو يحمل رقم 4 لسنة 1999،الذي يتضمن عدة حقوق منها توظيف 5% على الأقل من وظائف الحكومة للأشخاص المعاقين ، لكن الأمر كان مختلفا عند التطبيق حيث أنه عند التوظيف يتم تهميش المعاقين".

    وبحسب المبيض فان أكثر الصعوبات التي يواجهها ذوو الاحتياجات الخاصة رأي الآخرين المسبق عنهم باعتبارهم لا يستطيعون نفع المجتمع بأي شي.

    صمت المدير الفني للحظات ثم ابتسم وقال:"حينما قبلت في ديوان الموظفين أرسلوني إلى سلطة الأرضي ،وعندما طرقت باب المديرة صدمت وقابلتني ببرود وقالت بطريقة غير لائقة: لا نريد موظفين الله معك "،مضيفا : لم تسألني عن إمكانياتي وخبرتي لكنها كونت رأيا مسبقا ،بالرغم من أن الموقف كان محرجا إلا أنني تحملته.

    ومن المواقف التي لم يأخذ حقه بها مؤخرا حينما تقدم إلى لجنة امتحان للنيابة العامة والتي تقدم لها 200 قانوني ،وحصل على الترتيب الـ 13 لكنهم لم يقبلونه بسبب إعاقته بالرغم من أنهم كانوا يريدون 33 قانونيا وبالتالي فهم لم يطبقوا قانون المعاقين , كما ذكر المبيض.

    عاد جرس الهاتف يرن مجددا ليقطع الحديث حتى استغل عبد الكريم أبو شاويش مدير مكتب التفتيش القضائي الذي يرافق المبيض في المكتب ليتحدث عن زميله قائلا:"كنت أعلم أنه مهني في عمله وكان يعمل محاميا لكنني لم أكن أعرفه كثيرا إلا حينما عملت معه بمكتب واحد فهو يستطيع فعل الكثير كأي إنسان عادي"،موضحا أنه تعلم من زميله عدم اليأس والمثابرة لتحقيق ما يصبو إليه .

    وذكر أبو شاويش أنه في كثير من الأحيان يروي لإخوانه وأصدقاءه عن زميله ونجاحه وإصراره على إثبات نفسه بكفاءته وذلك حينما يراهم يتقاعسون في انجاز أعمالهم.

    وأثناء انتهاء المبيض من مكالمته الهاتفية بقي يستمع لحديث زميله حتى تبسم قائلا:"علاقتي مع زملائي جيدة وهناك احترام متبادل بيننا ".

    غادرت "الرسالة نت" مكتب المبيض وأثناء نزولها من على سلم المحكمة التقت د. عبد الرءوف الحلبي رئيس المحكمة العليا والذي ما أن ذكر اسم المبيض حتى ابتسم وقال:" هو شخص مثابر وطموح ونموذج للموظف النشيط الذي يحتذي به ، بالرغم من إعاقة يديه إلا أنه اثبت جدارته"،متمنيا على كافة ذوي الاحتياجات الخاصة اتخاذه قدوة لهم.

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *