• الكفيف “دليلُنا” إلى ثراء إنسانيتنا
    الخليج - معاق نيوز   -   2010-11-21
    عدد القراءات : 1013



    الإصابة بفقدان البصر تحدث زلزالاً كبيراً يهز كيان الشخص المصاب، والمحيطين به من أسرته وأصدقائه، حيث تفقده الكثير من التفصيلات الحياتية، التي تتضمنها علاقاته الاجتماعية والإنسانية، لأنها تؤثر في عاداته وسلوكياته، فالإصابة بالعمى أو وجوده خلقياً يولد لدى المصاب العديد من المشكلات الاجتماعية والنفسية، بسبب تأثيرها السلبي على عملية التواصل مع الآخر والمجتمع المحيط . لكن تبقى في النهاية علاقة المجتمع وأفراده بالشخص المعاق بصرياً، التي يجب تغييرها وتفعيلها بشكل إيجابي، بحيث يشعر فاقد البصر بأننا معه، ولسنا بمعزل عنه، وعن أفكاره، وأن نؤكد له دوماً أننا وهو شركاء معه في المجتمع، وأن إصابته مهما كبرت يجب ألا تحول بينه وبين المجتمع .

    ولا شك أن قدرة الشخص الكفيف على تلقي المعلومات من مصادرها اليومية عبر حاسة البصر تتأثر بشكل ملحوظ، لأن العين نافذة مهمة على المحيط الإنساني، يستقي الفرد من خلالها الكثير من المعارف، الأمر الذي يزيد من شعوره بالحزن، بالإضافة إلى الجوانب الحياتية المختلفة . لقد شعرت فجأة بأنني أعيش وحيداً في جزيرة منعزلة، رغم أنني في وسط أسرتي الكبيرة وأهلي وأصدقائي القدامى، الذين لم يبق منهم إلا القليل، لقد تحول العالم الكبير المتسع أمام عيني المصابة إلى كهف ضيق قاتم السواد، رغم سطوع الشمس خارجه . . كانت هذه كلمات (م . م) الذي فقد بصره بعد أن بلغ الخامسة من عمره .

    قال إن فقدانه للبصر في هذه السن الصغيرة كان له ايجابيات كثيرة وآلام أكثر، فقد تعرفت إلى العالم، وما زالت ملامح الأشخاص والأشياء التي عايشتها عندما كنت صغيراً عالقة في ذهني وذاكرتي، وإن أهم هذه الايجابيات أنني ما زلت أتذكر ملامح أفراد أسرتي، خاصة أمي التي كانت ملاذاً لي قبل أن تموت حزناً على عيني .

    وأوضح: أنه مازال يشعر بالعزلة طوال فترة إصابته، التي وصلت إلى أكثر من 36 عاماً، متمنياً أن يشعر يوماً ما بالآخرين، فأن يصبح شخصاً فاعلاً ومفيداً في المجتمع، وألا يكون مجرد عائق، وأن تقوم المؤسسات والجمعيات الأهلية المهتمة بقضايا واحتياجات فاقدي البصر، بدمجهم في المجتمع ومساعدتهم بشكل فاعل، وألا يقتصر الأمر على مجرد تقديم المعونة المادية أو المساعدة العينية .

    وأن تكون هناك برامج وخطط تشارك فيها كل هذه الهيئات بإشراف وزارة الشؤون الاجتماعية، تهدف إلى التواصل مع المعاقين بصرياً، باعتبارهم أفراداً في المجتمع يجب مساعدتهم، وتدريبهم وتأهيلهم للعمل مثل الأفراد الأسوياء، وأن يتم تغيير الأفكار والممارسات الخاطئة التي يمارسها البعض تجاههم .

    التفاعل الاجتماعي

    تقول وفاء حمد بن سليمان، مدير إدارة المعاقين بوزارة الشؤون الاجتماعية، إن الإعاقة البصرية لها تأثير كبير على التفاعل الاجتماعي للفرد، بالإضافة إلى تأثر مساحة الاهتمامات الشخصية، وهي المسافة الاعتيادية التي يضعها الناس بينهم وبين الأشخاص الآخرين في محيطهم، خلال عملية التفاعل الاجتماعي، ولأن البصر يلعب دوراً مهماً في المحافظة على هذه المساحة، فقد يواجه المعاقون بصرياً صعوبة في تعلم واستخدام هذه المساحة، والمجالات غير اللفظية الأخرى في التفاعلات الاجتماعية الناجحة .

    وقد يتأخر الأشخاص المعاقون بصرياً، الذين أصيبوا في مراحل عمرية مبكرة، في تطوير المفاهيم الاجتماعية، وهذا يرتبط أيضاً بالعوامل المعرفية والاجتماعية المتعلقة بالقيود التي تفرضها الإعاقة على الفرد .

    وطالبت بضرورة أن يتفهم الناس احتياجات هذه الفئة، وأن يتفاعلوا ويتعاونوا معهم بالقدر الكافي لدمجهم في المجتمع، وحتى لا يشعروا بالعزلة عن المجتمع المحيط بهم، مشيرة إلى أن ذلك يؤثر في المسافة التي يضعها المعاقون بينهم وبين الناس المحيطين بهم، وخاصة في التجمعات والمناسبات الاجتماعية .

    ومن جانبه، أوضح روحي عبدات، اختصاصي نفسي وتربوي بإدارة المعاقين، أن المعاقين بصرياً أقل قدرة على تعلم واكتساب سلوك التواصل غير اللفظي مثل الإيماءات والإشارات، لأنهم غير قادرين على مشاهدة ردود الفعل غير اللفظية في البيئة الطبيعية، حيث يتأثر الوعي المعرفي للعلاقات الاجتماعية والمكانية عندهم، الأمر الذي يؤثر بدوره على مساحة الاهتمامات الشخصية .

    وأشار إلى أن ذلك يجعلهم لا يدركون المسافة الحقيقية بينهم وبين الآخرين، مما يؤثر في مدى التفاعل معهم، فقد يظهر أن يقترب الكفيف كثيراً من شخص غريب، أو يبدو أنه بعيد من شخص يعتبر صديقاً له .

    وقال عبدات، في دراسته حول الواقع النفسي للمعاقين بصرياً والتكيف مع الإعاقة: “إنه تبعاً للكثير من الدراسات، يشعر المكفوفون بأنهم معزولون اجتماعياً، علماً بأن هذا الشعور لا ينطبق على الكثير من ضعاف البصر، ومن الواضح أن الكفيف يتجنب التجمعات الاجتماعية خوفاً من الأذى المادي أو النفسي الذي يمكن أن يتعرض له .

    وأنه على الرغم من التدخل المبكر والتدريب والتأهيل المقدم للمعاقين بصرياً، إلا أن لديهم إحساساً متدنياً بالرضا عما يقومون به بالمقارنة مع زملائهم المبصرين، وأن ذلك يقود إلى انخفاض الانتاجية، وبالتالي الاستقالة أو الإقالة من العمل، وهذا الأمر مرتبط أيضاً بعدم تفهم زملاء العمل للكفيف، وفشلهم في التعامل معه والصبر على احتياجاته .

    تأخر المهارات

    وأشارت الدراسة إلى أن الأطفال من ذوي هذه الإعاقة يظهرون تأخراً في عدة مجالات تطورية من مراحل حياتهم، بما في ذلك المهارات الحركية، واللغوية والمعرفية، بالإضافة إلى الحماية الزائدة التي يتبعها أولياء الأمور مع أطفالهم بدافع الخوف من الأخطار .

    وألمح بعض الباحثين، النفسيين والاجتماعيين إلى وجود ارتباط بين الاكتئاب وضعف البصر، على أساس أن الشخص الذي يفقد شخصاً أو شيئاً عزيزاً عليه يشعر بالحزن الشديد والاكتئاب، وأن فقدان البصر يشبه هذه الحالة باعتباره عضواً مهماً في الجسم .

    وأكد الباحثون، حسب الدراسة، أن هناك ارتباطاً قوياً بين الإعاقة البصرية، وبين المستوى المتدني من السعادة في الحياة، ووجود اللحظات الصعبة والأزمات، وأعراض الاكتئاب كالحزن وصعوبات النوم، والعزلة، والقلق والتوتر، وضعف الصحة العامة .

    وأوضح محمود الشايب، اختصاصي نفسي بوزارة الشؤون الاجتماعية، أن هناك ضرورة لتفهم الحالة النفسية للشخص المعاق بصريا، ودراسة العوامل الاجتماعية والنفسية المحيطة به، حتى نستطيع القيام بعملية دمجه في المجتمع، عن طريق تأهيله لكي يتكيف مع إعاقته، مشيراً إلى أن الحالة النفسية للمعاق لها تأثير كبير على قدرته على مواجهة الصعوبات التي قد يواجهها بسبب إعاقته .

    وأنه من المهم عند التعامل النفسي معهم، التركيز على الجوانب الإيجابية لديهم، بالإضافة إلى القدرة التي يمتلكونها، والبحث عن الجوانب المتبقية، والإنجازات التي قام بها الشخص في حياته، وبعث عزيمته على التكيف مع إعاقته من دون أن يعني ذلك الاستسلام لها، مطالباً بضرورة مساعدته على الوعي بالسلوك الذي يقوم به والتبصر بأسبابه، والتعرف إلى أسباب المشاعر السلبية التي تداهمه، لأنه كان أكثر وعياً بأسباب السلوك، كلما كان أكثر تحكماً في سلوكه وانفعالاته .

    تقنيات السلوك

    ويطالب الباحثون في أغلب الدراسات، التي أعدتها وزارة الشؤون الاجتماعية، فضلاً عن الدراسات المعنية بضرورة أن يركز الاخصائي النفسي على تقنيات تعديل السلوك وتغييره والتعرف إليه، لأن هناك كثيراً من السلوكيات التي تنبع من التعلم الخاطئ، كذلك فالمهارات التدريبية لضعيف البصر هي أمر ينبغي الاهتمام به، حيث التدريب على القيام بأعمالهم الخاصة كبقية الآخرين .

    وأكدوا أن المعاقين بصرياً بحاجة إلى قدر كبير من الدعم الانفعالي والاجتماعي، والأنشطة الترفيهية التي تخرجهم من المشاعر السلبية التي قد يواجهونها، والتواصل مع العالم الخارجي، وتنمية الميول والمهارات الخاصة التي يمتلكونها، وإعطاء المعاق الإحساس بالقدرة من دون التعامل معه على أنه غير قادر، وإن احساسه بذلك وإعطاءه مساحة من الحركة والحرية يبعث فيه الثقة بالنفس، والميل لمواجهة الواقع الذي يعيشه، واكتساب خبرات حياتية جديدة .

    استراتيجيات سلبية وإيجابية

    أشارت بعض النظريات الموجودة، على شبكة الإنترنت، إلى أن الأشخاص المعاقين بصرياً يطورون مع الزمن أساليب وطرقاً مختلفة للتكيف مع إعاقتهم كمحاولة لجعل واقعهم أفضل، حيث أوضحت أن هناك 6 استراتيجيات إيجابية، و5 استراتيجيات سلبية يتبعها المعاقون بصرياً .

    تتضمن الاستراتيجيات الإيجابية، محور التقبل حيث يميل الشخص إلى تقبل إعاقته، والتركيز على الجوانب الإيجابية في حياته، وكيف يستثمرها ويعيد بناء حياته من جديد، والثقة بالبيئة المحيطة، والتي تتضمن تقبل الدعم الاجتماعي من الآخرين .

    وقد يكون العامل الديني عند الشخص باعثاً على الراحة والأمل .

    ويشير محور التجنب الإيجابي إلى القدرة على تحويل الانتباه، بعيداً عن المواقف الإشكالية والخوف من الإعاقة، إنها ليست إنكاراً للإعاقة بل هي طريق للابتعاد عن القلق والحزن، كالاستماع للموسيقا، والمشي ومقابلة الناس، والانخراط في بعض الأنشطة .

    في حين تتضمن الاستراتيجيات السلبية عدم الاعتراف بالإعاقة وانتظار أمل الشفاء، والعيش في الخيال وأحلام اليقظة، مثل المريض المصاب بالجلوكوما بكلتا عينيه الذي يتصرف على أمل الشفاء من المرض على الرغم أن الأطباء قد أخبروه باستحالة إعادة البصر إليه .

    وتحتوي الاستراتيجيات السلبية كذلك على الاستياء الذي يحمل المرارة والحسرة على أن الشخص أصبح ضحية لمرض أو إصابة بعينيه، حيث يشعر بالعجز، لأنه في السابق كان يقوم بعدة أعمال لا يستطيع القيام بها في الوقت الحالي، بالإضافة إلى الخجل والشعور بالدونية .

    خطة فردية

    أكدت دراسة الواقع النفسي للمعاقين بصرياً للباحث روحي عبدات، أن المعاق بصرياً قد يطور استراتيجيات إيجابية أو سلبية في التعامل مع إعاقته، والبيئة المحيطة به، لذلك فهو يحتاج إلى الدعم النفسي أثناء عملية التأهيل، والتي تنقسم إلى مستويين: الأول على المستوى العاطفي، والمستوى الثاني في التعامل مع الأنشطة الحياتية اليومية، حيث أصبح اخصائيو التأهيل حديثاً يعتمدون على ضرورة تغيير مطالب البيئة، وتعزيز قدرات الشخص المعاق، وتزويده باستراتيجيات التعامل مع البيئة المحيطة وذلك عبر خطة التأهيل الفردية .

    لذلك يصبح الهدف من خطة التأهيل متعددة التخصصات، مساعدة المصاب على التكيف مع إعاقته، ومساعدته على القيام بمهارات الحياة اليومية باستقلال، ونجاح هذه الخطة الفردية يعتمد على كثير من العوامل النفسية عن المعاق، كمقدار الاستياء من الإعاقة ومدى رضاه عن حياته، والدعم الذي يتلقاه من الأسرة والأصدقاء، ومدى تقديره لذاته، ومستوى الضغط الذي يتعرض له .

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *