• نور الأمل بارود .. حكاية صمود فلسطيني
    معاق نيوز   -   2011-07-17
    عدد القراءات : 1471


    عشقت الموسيقى منذ نعومة أظفارها، وكأن اللحن يمرّ عبر أوردتها نحو القلب، كانت العلاقة لا تنفك بينها وبين عودها التي أدمنت العزف عليه، ولم تمنعها إعاقتها من ممارسة هواية سيطرت على حياتها لتنقلها من ظلمة الإبصار إلى نور الموهبة، "نور الأمل بارود" هو اسمها الفلسطيني الذي تحدّى الإعاقة، متخذة من أوتار عودها أملاً جديداً يرسم ألحاناً ساحرة.

    الفن رسالتها

    كما هي الموسيقى تنقل الإنسان بعيداً، كما الأحلام تُسافر لتعود أجمل كل مرّة، تترجم ما نحبه بأبهى صورة، حتى من خلال عيون لا تبصر، تحتضن عودها بدفء، وتعزف على أوتاره برقة، والأمل يحدوها أن تُعلّم الأطفال الصغار معنى الإحساس بالنغمة، في "جمعية الأصدقاء" بمركز تأهيل المعاقين بصرياً في غزة، تعمل طوال الوقت بشكل تطوّعي، كمعلمة للموسيقى داخل المركز، لتقوم نور الأمل بنقل خبرتها في العزف إلى الأطفال المكفوفين، دافعها الوحيد هو القدرة على العطاء، والإحساس الصادق، ورسالة الفن الجميل.

    اسم ومعنى

    ولأن لها من اسمها نصيباً تأمل نور أن تزرع في الأطفال رغبة الحياة، تُحاول أن ترسم لهم بعودها دنيا أجمل من تلك التي قيّدها الحصار وطاردتها الحرب، وشوّهت صورتها الصراعات الداخلية.

    نور التي نشأت في أسرة فقيرة، شاء لها القدر أن تجد مدرسة لرعاية المكفوفين لتنتقل من غزة إلى الضفة الغربية، حيث تعلّمت هناك، لتجد ما كانت تبحث عنه، فقد طفت موهبتها في الغناء على سطح المعهد، وليتعرّف أساتذتها على صوتها الشجي وهو يصدح بالغناء وقدرتها بالعزف على مختلف الآلات، وبعد الدراسة عادت لغزة لتجد نفسها بعيداً عن دفق روحها وعن ونيس وحدتها حيث افتقدت الآلات الموسيقية، ولكن القدر شاء أن تحصل على آلة العود من صديقاتها التي جمعن المال وقدمن العود كهدية لها فكانت هذه اسعد لحظات نور..

    عاشقة الفن الأصيل

    الكفيفة نور الأمل بارود، التي كانت في سن مبكرة من عمرها تعشق الفن الشرقي الأصيل، وكانت تتأثر فور سماعها الموسيقى القديمة، كانت تحفظ أسماء المطربين، وتعرف كيف تُميّز بين أصواتهم، شدّتها الألحان، وسحرها الفن الشرقي بتألقه وعنفوانه، لكن الفرصة لم تُتح لها لتُصقل موهبتها بالدراسة الأكاديمية، إلا أن الظروف المادية والصحية لم تكن تسمح لاستكمال الأمنية التي ما زالت تحلم بها رغم مرور السنوات الطويلة، واقتصر عزفها على السمع، إلا أن خبرتها في هذا المجال التي اكتسبتها من سنوات طويلة من العمل والإبداع، جعلت منها عازفة محترفة، بإحساس راقٍ. نور التي ترفض أن يُنظر لها كبقية المعاقين النظرة ذاتها، وتحاول دائماً أن تُبرهن للمجتمع والناس أن المعاق قادر على العطاء بل والتميّز في المجتمع، وأن الإعاقة لن تكون أبداً عامل إحباط بل ستُعطي لها ولأقرانها دافعية كبيرة في العمل الجاد وصولاً إلى التميّز الذي لا ترتضي نور غيره مكاناً يليق بها.

    تهميش واضح

    وإلى الواقع الفني الفلسطيني تقول نور: يعيش الفنان الفلسطيني على هامش الحياة العامة الفلسطينية سواء كان صحيحاً أو معاقاً، وهذا يعود إلى أن المجتمع يتطوّر شكلاً، غير أنه يبقى وبسبب ما يُعانيه من ويلات الحرب والحصار لا يُدرك أهمية الفن في بناء مجتمع مثقف، يعرف كيفية التعبير عن مشاكله وهمومه من خلال الفن.

    وتضيف: هذا بالتأكيد ينعكس بالسلب على الفنانين المعاقين، حيث لا نجد الفرصة للتعبير عمّا بداخلنا، ولا يمكن لنا بأي حال أن نُقدّم شيئاً طالما أننا محرومون من المشاركة الفاعلة في الاحتفالات الداخلية والخارجية، مع الأخذ بالاعتبار أن قطاع غزة وحتى يومنا هذا يفتقد إلى كلية للموسيقى.

    إحساس المعاق

    وحول قدرة المعاقين على التعبير تصف نور ذلك قائلة: من يُريد أن يكون عازفاً متميّزاً للعود يجب أن يتمتع بإحساس مرهف، وأن ينعكس هذا الإحساس على ما يُقدّمه، فما بالنا وهو يندمج مع إحساس المعاق الذي تجده أكثر قدرة على التأثر، والأكثر رغبة في التعبير عمّا بداخله. من حكايات الألم يُولد الإبداع هكذا هي نور حينما تكتب وتُلحّن عدداً من الأغاني التي شدا بها عدد من أطفال المركز في المناسبات المختلفة.

    وقالت بعد أن انتهت من رسم بسمة على من حولها من الأطفال، ومنحتهم جزءاً من الراحة ليستعيدوا نشاطهم من جديد، " أُحب أن أسعد الآخرين، ولا أنتظر مقابلاً من أحد، فإذا استطاع الإنسان إسعاد غيره فعليه ألا يتأخر في ذلك، ولا يقول: إنني معاق أحتاج لمساعدة غيري، بل يقول أستطيع أن أسعد غيري".

    نور .. الأمل

    نور التي استبدلت النظارات السوداء على وجهها بأخرى بيضاء لبستها على قلبها، لم تجد أحداً يتبنى موهبتها الفنية رغم أنها حملتها إلى الإذاعة والمحطات التلفزة المحلية مراراً، غير أن أحداً لم يعطها إجابات شافية، ما كان يُولد بعض الإحباط في نفسها سرعان ما تتخلص منه بكل يسر وسهولة، فور أن تمسك عودها لتعزف عليه من جديد.

    تترك نور الحديث لتعود للغناء مع الأطفال تارة عن حب الوطن وتارة عن حب الحياة ، لتختم حديها بالقول: رغم مرور السنين الطويلة إلا أنني ما زلت أتمنى أن أدرس الثانوية العامة من جديد وأكمل الدراسة الجامعية في كلية الفنون قسم موسيقى، وأن أكمل مشواري الفني حتى آخر يوم.

    المصدر : جريدة الراية - عبدالله عمر

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *