• أنتِ أمـي...بقلم ايمان ليلا
      -   2012-03-21
    عدد القراءات : 7062


    أبو منذر واحد من القلائل الذين يعرفون أن أم طارق الحقيقية فارقت الحياة بعد ولادته بثلاثة أيام ...
    و أن السيدة سعاد زوجة أبو طارق الحالية هي إحدى قريباته ، تزوجها بعد ثلاثة أشهر من وفاة زوجته الأولى ..
    و أنجبت له آية و راما ..
    مساء الأمس ، و في طريق عودة طارق و رفاقه من نادي المدرسة ، راحوا يتفرجون على واجهات المحلات التي تعرض أشكالاً و ألواناً من الهدايا بمناسبة عيد الأم ...
    و راح كل واحد منهم يحاول أن يختار هدية مناسبة يقدمها إلى أمه ...أشار طارق إلى ثوب جميل ،
    و صاح بفرح :
    - ما أجمله ...سأشتريه غداً لأهديه إلى أمي ..
    ضحك منذر ساخراً و هو يحاول أن يثأر لنفسه بعد شجار بالأيدي كانت الغلبة لصالح طارق :

    - أمك ..! أمك ..!يا مسكين ! سادت لحظة صمت ، تابع بعدها منذر بتشفي و سخرية :
    - التي تحسبها أمك هي زوجة أبيك ...
    و حين لاحظ أن كلماته أحدثت أثرها في طارق راح يرفع صوته أكثر و هو يبتعد و يردد
    - أمك ماتت يا مسكين ...
    عند مفارق الطرق ذهب كل إلى بيته و بقي طارق و حيداً .....و وجهه النحيل ممتقع ، و أطرافه باردة
    و كان كمن تلقى ضربة قوية على رأسه أفقدته توازنه ... خطواته
    تترنح تائهة في ظلال الشارع النائم و على الدرجات القليلة الموصلة إلى بيته ...
    فتح الباب بهدوء ...كانوا جميعاً حول المائدة
    في انتظاره ليتناولوا العشاء لكنه لأول مرة في حياته دخل دون أن يلقي التحية و دون أن ينظر إلى أحد و توجه إلى غرفته مباشرة و أغلق وراءه الباب

    كيف غابت عنه هذه الحقيقة طوال اثنتي عشرة سنة ؟
    لماذا أخفى عنه والداه هذا الأمر ؟
    هل يصدق أن سعاد ليست أمه ؟ و هي التي ربته اثنتي عشرة سنة و أغدقت عليه حبها و عنايتها ؟
    في السنة الماضية أهداها زجاجة عطر ، أحبتها كثيراً ...و قد قرر أن يشتري لها هذه السنة دستة من المناديل الحريرية المطرزة و الملونة ...أما شهر آذار شهر المناسبة فسيكتب على طرفه
    إلى الغالية أمي ...أحبك
    رفع الغطاء و راح يبكي بصمت ...
    - ما الأمر يا حبيبي ؟
    - - لا شيء قال بنزق و هو يحاول إخفاء دموعه ...لكن سعاد ضمته إلى صدرها بحنان :
    - - ما بك يا حبيبي هل تشكو من ألم ما ؟
    - - قلت لكِ لا شيء ....
    نظرت في عينيه فشاهدت بريق الدموع ، ضمته إلى صدرها ثانية و همست بحنان :
    - أنا أمك يا طارق قل ما بك ؟ لكنه لم يجب ...أحس بألم صاعق في رأسه ، يحس أنها كادت تنفجر ، و أسئلة كثيرة لا يجد لها أجوبة ...
    - هل يصدق أنها ليست أمه التي و لدته ! و لم يشعر منذ فتح عينيه على الدنيا إلا بحبها و حنانها و رعايته ......
    - - لماذا أخفوا عنه تلك الحقيقة ؟ و الده ، أقربائه و الجيران و كل من يعرف ...كلهم يطلقون عليها أم طارق اثنتا عشرة سنة و هو لا يعرف حقيقة أمره ؟
    - لقد استطاع منذر أن يطعنه في صميم قلبه و أن يدمي إحساسه ..
    - مضت الليلة ثقيلة موجعة بينما طارق يقلب الأمر على وجوه متعددة تارة حين يذكر تعاملها معه لا يصدق ...و تارة أخرى يتسرب إلى نفسه ...و سؤال واحد يشغل تفكيره
    - كيف يستطيع الوصول إلى الحقيقة ؟ و عندما وقف أمام العم أبو منذر صدمته الحقيقة المرة ....!!
    - راح يتجول في الشوارع على غير هدى ، و الدموع تملأ عينيه و الحزن يعتصر قلبه ...ساعة بعد ساعة حتى أخذه الوقت و تأخر كثيرا ًعن موعده المعتاد في العودة إلى البيت ...كيف تمضي هذه السنوات كلها و هو لا يعرف أهم حقيقة في حياته ، و ها هي تأتيه على لسان صديقه منذر في ساعة شجار بينهما

    كيف استطاعت سعاد أن تظهر دائماً بمظهر الأم بكل ما تحمله الأم من حب و تضحية و حنان ، و تخفي عنه أنها ليست أمه التي و لدته ؟ بل و كيف استطاع أن يعيش إلى جانبها هذه السنوات كلها دون أن يشعر أنها ليست أمه الحقيقية ؟!
    لقد تعود أن يشتري لها كل عام هدية بمناسبة عيد الأم ، و كانت في كل عام تشعره بأنها أفضل من الهدايا التي جاءتها من أختيه آية و راما ! عندما يمرض كانت تسهر إلى جانبه حتى يبرأ ...تهتم بنظافته و ملابسه و دروسه و تتابع نشاطه و تحرص على تربيته على مكارم الأخلاق حتى صار أنموذجاً في سلوكه في المدرسة و الحي ، لم يشعر يوماً بأنها ليست أمه ...أفكار كثيرة دارت في رأسه ، و حزن كبير أثقل قلبه ..

    اقتربت الساعة من الثامنة مسـاءً ، و ألقت العتمة ستائرها على الكون ، و لم يخطر على باله حالة القلق التي أصابت أسرته و جعلتهم جميعاً ينطلقون للبحث عنه هنا و عناك ...يسألون رفاقه في الحي و مخفر الشرطة و المستشفيات ...
    عندما قادته خطواته إلى الشارع القريب من بيته ، كانت سعاد أو ل من شاهدته و بفرحة عارمة ركضت إلى الشارع و ألقت بنفسها تحتضنه و تقبله و آثار القلق و الانفعال بادية على وجهها
    سألته و هي تنظر في عينيه و الخوف يكتنفها ...
    - أين كنت يا حبيبي ..؟
    ثم بدأت تلمس أطرافه و تنظر إلى وجهه لعلها تكتشف سبب تأخره و سرعان ما قالت :
    الحمد لله أنت بخير ..لو تعلم كم قلقنا عليك ..
    أمسكته من كتفيه برفق و سألته :
    - و لكن أين كنت و ما الذي أخرك ؟ ما بك يا طارق ؟
    نظر إليها نظرة طويلة ، ثم أخرج من جيبه لفافة أنيقة و ضعها في يدها و همس
    - كنت اشتري لك هدية ..زجاجة عطر الذي تحبين .....
    عانقته و طبعت على و جنتيه قبلة و ضمته إلى صدرها
    لم تنتبه إلى دموعه التي بللت خديه ..لكنها سمعته بوضوح وهو يتمتم بحب :
    أنتِ أمي .........

  • أضف تعليق
    اسمك *

    البريد الالكتروني

    المدينة

    المعلومات المرسلة *


  • 2012-05-03 18:49:53
    نهى
    اسلوب الكتابة قمه في الروعه استوقفني لأبدي إعجابي ما شاء الله
    الكويت
    alhuriya100@hotmail.com

    2015-09-30 20:57:31
    محمود علي
    قصة رائعة وفيها معاني جميلة وتوضح أن الحياة تستمر بإنسايتنا وليس بمعاني المادة التي فيها صراع وتناقش جوانب متعلقة بالاحترام والقيم الانسانية .
    الدمام
    maayoup@uod.edu.sa